الشيخ محمد الصادقي
254
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
إن الوحي - حيث يحمل تكوينا أو تشريعا - ليس إلّا من اللَّه ، سواء أكان رمزا في التكوين : « يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها . بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها » أو في الغريزة : « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ » ( 16 : 68 ) . أو إلهاما يحمل حكما خاصا إرشاديا : « وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ » ( 28 : 7 ) . ومن ثمّ الوحي التشريعي الذي يحمل أحكاما شرعية للموحى إليه شخصيا ، أم له ورسالة إلى جماعة قلوا أو كثروا ، أم إلى العالمين أجمعين . و « فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ » حيث يحمل وحي التشريع من ملك الوحي بإذن اللَّه ، آية يتيمة في القرآن كله ، على احتمال أن الموحي بإذنه هنا أيضا هو اللَّه ، حيث الآية تتبنى التكليم الإلهي في هذا المثلث البارع ، فليكن المكلّم الموحي في ثالثه هو اللَّه كما في الأولين . إذا « أو يرسل » اللَّه « رسولا » ملائكيا « فيوحي » بواسطته كحجاب يعقل « بإذنه » تعالى لا بإذن الملك أو الموحى إليه أو مسيّرا في وحيه « ما يشاء » اللَّه - لا ما يشاء الرسول الملك أو الرسول البشر « إنه عليّ » عن أن يواجه في كلامه بذاته ، أو يكلم غير رسله وأنبياءه « حكيم » يوحي بحكمة بارعة إلى كلّ كما يحق له ويتحمل ، وكما يجب في رسالته . لقد جمع لمحمد ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) بين مثلث الوحي : دون حجاب - ومن وراء حجاب المنام أو الكلام - وبواسطة جبريل ، ووحيه الأول دليل أن الآخرين لم يكونا لحاجة منه إلى حجاب أو ملك ، وإنما هو تثبيت للمؤمنين حتى لا يقولوا فيه ما قالوه في المسيح ( عليه السلام ) : « قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى